مَقالةٌ في التَقَمُّص

– تأليف : ديمتري أفييرينوس
وليم ك. دجدج

“” سنعرف يوماً أن الموت لايستطيع أبداً سلبنا ما فازت به روحنا لأنها ومكاسبها واحد.””
( طاغور)

“” نحوك. نُحاك. وإذا الكون كله نول هائل. وإذا الذي يُنسج عليه نسيج هائل […] فهنيئاً للذين يحوكون ويعون أن ثوابهم وعقابهم في ما يحوكون. أولئك يتحكمون في أقدارهم إلى حد بعيد.””
(ميخائيل نعيمه)

“” عندما تخرجون من الدورة المدعوّة حياة إلى الدورة المدعوّة موتاً حاملين معكم عطشاً إلى الأرض لمّا يرتوِ وجوعاً لمّا يشبع، حينئذٍ تعود الأرض فتجذبكم إلى صدرها من جديد. وهكذا تعود الأرض ترضعكم، والزمان يفطمكم حياة تلو حياة وموتاً بعد موت إلى أن تفطموا أنفسكم الفطام الأخير بملء إرادتكم ومن تلقاء نفوسكم.””
( ميخائيل نعيمه )

لابد لكل إنسان، في وقت ما من حياته، أن يطرح أسئلة جوهرية من نوع : من أنا ؟ من أين أتيت ؟ إلى أين أذهب ؟ وقد يتفق له أحياناً، إذا اشتد عليه الألم، أن يسأل : هل حياة الإنسان وسائر الكائنات مسيَّرة بالمصادفة العمياء ؟ أم أن العدل هو الذي يحكم العالم ؟ هل الله موجود ؟ ما الموت ؟ وما الحكمة منه ؟
لقد حاول الفكر البشري، منذ القديم، أن يقدم إجابات على تلك الأسئلة الكبرى التي تميِّز الظاهرة الإنسانية عن غيرها من ظاهرات الطبيعة، فكان الدين بعقائده وطقوسه وأساطيره، وكانت الفلسفة بمنطقها وطبيعياتها وإلهياتها وأخلاقها، وكان العلم أيضاً بفرضياته ونظرياته وتجاربه. لكن عدد البشر الذين لم يقنعوا تماماً بالإجابات التي جاء بها الدين والفلسفة والعلم جميعاً ليس بقليل. فلئن أسكتت هذه الإجابات جوع الفكر إلى حين قد يحدث ألاتروي البتة ظمأ القلب إلى يقين يطمئن إليه، مما يدفع بالإنسان الباحث إلى التفتيش عن سبل أخرى أكثر إشباعاً للفكر المخلص وأكثر رياً للقلب التواق. فلهؤلاء القلة من بني البشر تتوجّه الثيوصوفيا بعقائدها في الإلهيات metaphysics والكونيات cosmology وعلم النفس الروحاني spiritual psychology وبمنهاجها الباطني الذي يعتمد القياس analogy أساساً. فما هي الثيوصوفيا ؟ وما هي عقائدها الأساسية ؟
الثيوصوفيا هي ذلك الجسد الحيّ من العقائد المغرقة في القدم الذي وصلنا بالنقل والخبرة بواسطة الوجه الباطن esotericism من الأديان والفلسفات القديمة، ويعود بإسناده إلى الخبرات الروحية الكبرى التي حققها الجنس البشري عبر مسيرته الطويلة في بحثه عن الحقيقة والتي تجسّدت في حكماء كبار من كل الشعوب والأزمنة. عُرف هذا التراث الإنساني المشترك بأسماء عديدة مختلفة باختلاف الشعوب والثقافات التي ائتُمِنت عليه على كرّ العصور. وقد أطلقت عليه السيدة بلافاتسكي، التي كُتب لها أن تنهض بإحيائه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، اسم دين الحكمة the Wisdom-Religion أيضاً، بالإضافة إلى اسم ‘‘ثيوصوفيا’’ Theosophia الذي يعني باليونانية ‘‘الحكمة الإلهية’’. ففي كل دين أو فلسفة أو علم قديم نقع على متوازيات إنْ في العقيدة (الإلهيات والكوسمولوجيا ونشأة الكون والإنسان والرموز) أو في الميثولوجيا (الأساطير) أو في الخبرات الروحية الداخلية الرفيعة التي شهد لها أصحابها شهادات تكاد تتطابق.
يجدر بنا، قبل أن نبيّن موقع التقمّص reincarnation من التعاليم الثيوصوفية، أن نؤسّس لذلك بالأرضية العَقَدية التي تشغل من جسم الثيوصوفيا برمّته موضع القلب المغذي، ونبدّد، في الوقت نفسه، شيئاً من تضارب الآراء السائدة حول الموضوع وشطط أصحابها، بحيث يستطيع قارئنا الإمساك بطرف خيط يجنّبه التيه في الآراء المتشعبة والاجتهادات الشخصية التي لاتقوم على أساس من خبرة داخلية صحيحة، ويشق بنفسه طريق الفهم خالصاً من الأقوال الخاطئة في التقمص التي تحدّ من كونية المبدأ وشموليته الإنسانية وتعتبره امتيازاً لفئة دون فئة أو لأصحاب مذهب دون غيرهم.
ثمة، وفقاً للثيوصوفيا، مبادئ أساسية يقوم عليها دين الحكمة يمكن إيجازها بالنقاط التالية :
1. الكون كائن واحد لايتجزأ، لايولد ولايموت، أزلي غير محدود، ويعمل كل ما فيه بتناغم مطلق. إنه حيّ وعاقل – ككل، وفي كل جزء من أجزائه. وهو، في كلّيته، تجلٍّ لمكوِّنه الذي هو ‘‘الله’’ أو الواحد أو المطلق.
2. ‘‘الله’’، من هذا المنظور، ليس ‘‘كائناً’’ مستعلياً transcendent على الكون، منشغلاً بأرضنا الصغيرة وسكانها وحسب – على كثرتهم -، أو بحفنة الملايين الذين يدينون بدين معين دون غيرهم ؛ كما أنه لم يضع قوانين خاصة بأرضنا الصغيرة، أو بدين معين من أديان سكانها، لاتشمل وحدة الكائنات الأخرى كلها، والعوالم الأخرى كافة – لابل الكل.
3. هناك عقل منبثّ في كل كائن، وهو بالتالي خالد. كل ذرة حية فهي لاتفنى، لكنها في تطور (تفتّح) أبدي ؛ وهذا التطور يتم بالخبرة والمعرفة المتناميتين. الحساسية من صفات الذهن والمشاعر والشكل (الجسم) ؛ وهذه الثلاثة تمثل العاقلة والعاطفة والعمل.
4. كل ما في الكون يعمل بمقتضى نواميس تنسحب على عاقلات كل الكائنات المتفتّحة في الكل ؛ فالبشر والكائنات الأخرى جميعاً مشمولة بها. لكل كائن حصته من العقل التي يمثلها مستواه من الوعي ودرجة مسؤوليته بإزاء كل ما يتصل به. القوانين سارية في كل شيء، من الذرة إلى المجرة. من هنا لاوجود لمعجزات أو لكرامات خاصة. كل خير يحظى به المرء هو نتيجة ما يفعل بمحض اختياره ليس إلا، وكل أذى يبتلى به هو عاقبة ما جنت يداه فيما مضى من أفعاله. تناغم الكل تناغم واحد غير منقسم.
5. كل كائن ‘‘شعاع’’ Ray في الكل ومنه ؛ وهو بذلك ينطوي بالقوة in potentiaعلى كافة صفات الكل ومقوِّماته. من هنا لاغضاضة على الإنسان أن يرى في الكائنات الأخرى جميعاً ‘‘أشقّاء’’. بعض هذه الكائنات أسنّ منه من حيث الخبرة وبعضها الآخر أحدث سناً ؛ لكنها جميعاً، دونما استثناء، تشق لنفسها درباً في مدرسة الحياة عينها التي تبدأ بأول خبرات ‘‘الشعاع’’ كـذرة حياةLife-atom . وهذه توالي مسيرة تطوّرها وتعلُّمها الوئيدة، حياة بعد حياة، كالطفل يذهب إلى المدرسة يوماً بعد يوم. بذا فإن ‘‘الشعاع’’ يتجسّد في كل الأشكال، المرئية منها وغير المرئية، الغليظة منها واللطيفة.
6. يستغرق ‘‘العارف’’ the Knower فينا أو ‘‘المدرِك الداخلي’’ the Perceiver Within زمناً غير محدود لبلوغ مستوى من الوعي – هو الوعي المنعكس على ذاته، أي وعي الوعي – يستطيع من خلاله أن يتساءل عن أصله ومآله، لابل وأن يتوصل بأدوات المنطق والرياضيات (الكونية) إلى تعيين الموقع الذي يشغله في هذا الكون الوسيع، وإلى التعرف إلى القوى والطاقات المعتملة فيه والصادرة عنه، وإلى تلمس مساره في الوجود. وعندما يخترق ‘‘المدرِك’’ حدود ظاهر الأشياء إلىبواطنها يتعرف، كشفاً، وجود العاقلة الصادرة عن أصل الوجود – في نفسه وفي غيره من البشر الفانين الذين يتجلى من خلالهم الإنسان الخالد.
7. تمر أعمار عديدة (كالسنين الدراسية) قبل أن يحين أوان ‘‘التخرّج’’، يوم يحصِّل المرء حكمة الأرض كلها أولاً، ومن بعدُ حكمة الكون. كل أحد يصبح بدوره معلِّماً للـ‘‘أشقاء الصغار’’ الذين لم يبلغوا بعد من الوعي والعلم ما بلغ. وكل أحد من البشر يتطور وفقاً للقانون بالرصد والملاحظة، كما وبالتجربة والغلط، متعلِّماً كل حين من الكون الذي نحيا فيه، وتشكل كل مرتبة من مراتبه قوام ‘‘مَرْكَباتنا’’ vehicles (المرئي منها وغير المرئي)، والمواهب والخصال والمقدرات التي بوسعه أن ينمّيها فيه عبر تقرير مصيره وبمحض اختياره : لاحدود للحكمة وللتعلّم.
ينبغي الآن، بعد هذا العرض المبسّط للخطوط العريضة للعقيدة الثيوصوفية، أن نبسُط ما يتفرّع عنها بالقياس العقلي من نقاط رئيسية على النحو التالي :
1. الكون بأسره (بما فيه نحن وكرتنا الأرضية) صادر عن المطلق، متأصِّل فيه. و‘‘المطلق’’ كلمة يُصطلح عليها للإشارة إلى ما ليس ‘‘روحاً’’ ولا‘‘مادة’’، إنما هو الأصل المشترك لكليهما : ما بعد الروح Meta-spirit. بعضهم يدعوه : المطلق the Absolute، أو ‘‘الألوهة’’ Deity. ومن جهتها تطلق السيدة بلافاتسكي على هذا الأصل المشترك اسم الكينونة Be-ness.
2. عندما يحصل الصدور عن الكينونة يتقيّد المطلق بثلاثة تجليات : أ. الروح Spirit، أو القدرة على الإبصار والإدراك ؛ ب. المادة Matter، أو القدرة على صنع الأشكال التي يمكن للقدرة المدرِكة أو لشعاع الروح أن يقيم فيها ؛ ج. الوعي Consciousness، أو الذهن Mind، القدرة على التفكير والاستصواب والحفظ والتذكر والتعلم والاختيار. وكل أحد، إذا نظر في دخيلة نفسه، وجد هذه الثلاثة جميعاً.
3. ليست المادة أو الشكل (بما فيها أجسامنا نحن والأرض وكل ما يمكننا رؤيته ولمسه وشمّه وسماعه وتذوّقه… إلخ.) غير مجلى من مجالي واحدية ما بعد الروح الذي يمكننا أيضاً أن نسميه الحياة. وكل واحدة من واحدات ‘‘المادة’’ هذه تشكل على مرتبتنا قاعدة لشعاع من أشعة الروح الواحد (المدرِك) للتعبير عن نفسه. هذه ‘‘الأشعة’’ يمكن أن تدعى أيضاً : ذرات حياة. و‘‘ذرة الحياة’’ إنسان بالقوة. ونحن في لبّ كياننا واحدة من هذه الذرات الأزلية غير القابلة للزوال التي يمكن أن نتواضع على تسميتها بـ‘‘المدرِك الداخلي’’.
4. ‘‘المادة’’ و‘‘الروح’’ كلاهما غير قابل للفناء. العلم، على سبيل التوضيح، يقول إن الذرة (الفيزيائية) الواحدة حتى لايمكن أن تفنى أو تضمحل، إنما يمكن أن تنتقل من حالة إلى حالة أخرى ؛ وهذا ‘‘الانتقال’’ يتبع التيارات الكهربائية المغناطيسية للحياة كما يوجِّهها الـكرمى الخاص بنا والـكرمى الخاص بغيرنا.
5. إننا لانعرف كل القوانين الفاعلة في الوجود، لكننا نسعى إلى استخلاصها من الطبيعة عبر ملكاتنا الإدراكية. هذه القوانين تنسحب على كل شيء فتشمل ‘‘الروح’’ و‘‘المادة’’ جميعاً لأن الطبيعة تشمل كل شيء ؛ ‘‘ماوراء الطبيعة’’ metaphysics، بالمفهوم الثيوصوفي، هو مدّ مفهوم ‘‘الطبيعة’’ أو توسيعه حتى لايستثنى منه شيء.
6. الحياة كلية الحضور omnipresent. والحياة تدعى أيضاً القوة أو الطاقة energy. الحياة غير قابلة للزوال، إنما تقبل التحوّل من صورة إلى صورة. وهذه التحولات في تعاقب مستمر ؛ فكما أن النهار يعقب الليل والصحوَ النومَ كذلك الحياة تعقب الموت. الراحة والنشاط هما القاعدتان العامتان لسير الطبيعة. بذا يمكننا القول إن وقوع أي فعل أو إطلاق أي شعور أو خاطر لابد أن يؤثر أولاً في أجسامنا، ثم في الأجسام الأخرى المحيطة بنا ؛ ومنها سوف ترتدّ علينا طاقة مساوية للطاقة التي أطلقنا. وهذه الطاقة سوف تفعل على المراتب الجسمانية والعاطفية والذهنية للوجود، إما ميسِّرة وإما معسِّرة تطور كل كائن يصيبه منها شيء.
7. كل ما يخطر ببالنا أو نشعر به أو نفعل يولِّد قوة كهربائية مغناطيسية – طاقة – تمسّ كل ما يحيط بها من أشياء، حتى أبعد تخوم الكون – إن كانت للكون تخوم ! في العالم المرئي عوالم غير مرئية تتخلله، قوامها الطاقة، وتفيد سجلاً أبدياً لكل الأحداث والطاقات المحرِّكة لهذه الأحداث. كل ذرة حياة تحمل فيها سجلاً كاملاً لكل علاقاتها السابقة هو ‘‘ذاكرة’’ كونية.
8.كل طاقة مشتبكة مع كل طاقة أخرى في عالم الطاقة-القوة غير المرئي ومتصلة بها ؛ وبذلك تجري هناك موازنة ومناغَمة وتواكل دائمة بين كل واحدات الحياة المتساوقة في التطور. وهذه القوى تضم في حالتنا القوى الأخلاقية.
9. القوانين التي تحكم الكون وكل ما فيه، بما في ذلك الإنسان وعلاقاته، تسري بدقة وعلى منوال واحد، بحيث لايكون ثمة شيء يدعى ‘‘صدفة’’ أو ‘‘حظاً’’ بالمعنى الفلسفي للكلمة. كل ما يحدث محكوم بقانون، لايخطئ وغير شخصي impersonal، ليس على صعيد العالم الجسماني وحسب، بل في عالمي الفكر والشعور أيضاً. من هنا ليس لأي ‘‘صلاة’’ أو ‘‘التماس’’ مرفوع لـ‘‘إله’’ أو ‘‘شفيع’’ أن يمنع القانون من السريان.
10. تنزع هذه الحركة المتناغمة إلى إحداث حركة دوّامية أو دائرية. (كل ما في الكون، من الذرة إلى المجرة، يدور دوراناً دائرياً أو لولبياً. ) من هنا، ففي سيرورة الموازنة الدائمة تتناغم المعلولات التي تتبع العلل على الصعيد الخلقي (كخير أو شر اصطلاحاً) مع كل شيء آخر في الطبيعة. النتائج استمرار لأصل أسبابها، تظل تتبعه وتعود إليه. وهذه ‘‘العودة’’ هي ما اصطلحت منقولات الهند على تسميته بقانون كرمى karma ؛ وهذه الكلمة مشتقة من الجذر السنسكريتي كْرِ kri الذي يتضمن معنى ‘‘الفعل’’ ويدل ضمناً على دورة العلّة والمعلول. كرمى هو قانون الدينامية الروحية the Law of Spiritual Dynamics، إذا جاز التعبير، الذي ينسحب على مراتب الوجود كلها، حتى يمكن اقتفاء أثره في أبسط أفعال الحياة اليومية. ولعل قانون إمرسون في التعويض compensation الناجم عن المسؤولية الأخلاقية يقاربه معنى وفهماً. ويشير القانون بوجه خاص إلى تراكم المعلولات التي تسببت فيها مواقفنا وأفعالنا في الماضي، كما يشمل العلل الجديدة المتولدة في الحاضر التي سوف تنجم عنها نتائج مقبلة.
11. ونحن نرصد الطبيعة نعي نظاماً دورياً للوجود في الكون : الفصول تتعاقب، والليل يعقب النهار في متوالية إيقاعية. ليس بوسعنا أن نتخيل ليلاً لايصير نهاراً، ولاشتاءً لايصير ربيعاً جديداً. أطوار القمر، دورات نمو النباتات والأشجار، رقصة النجوم الدورانية – كلها ترمز إلى نموذج كوني للوجود الدوري في التطور التصاعدي للحياة.
يمكننا، انطلاقاً من الرصد السابق، أن نتبيّن نموذجاً دورياً في حياتنا. ففي الدورة اليومية المؤلفة من 24 ساعة تتناوب فترات الراحة مع فترات النشاط. ويخبرنا الطب، مثلاً، أن للجسم دوراته، من نحو انقباض القلب وانبساطه، ونمو الحياة الخلوية وتجددها. المخ أيضاً يتبع في عمله إيقاعات محددة. ويشير علم النفس إلى دورات أخرى في حياة الإنسان الفردية – دورات خَوَر تعقبها دورات انتعاش، دورات نشاط ذهني تعقبها أوقات من الخمول. في كل منا، جسمانيا وعاطفياً وذهنياً، تتناوب فترات النشاط مع فترات راحة نسبية.
وعلى صعيد البشرية والكرة الأرضية بعامة، يتتبّع المؤرخون وعلماء الاجتماع (ومنهم ابن خلدون) نموذجاً دورياً ينتظم أحداث العالم : وقوع الحروب، الانهيارات العالمية، التغيرات المناخية، تذبذبات التجارة، دورات الجريمة، الموجات الوبائية، العصور الجيولوجية، كلها يمكن رسم تغيراتها بيانياً. وحتى في الفيزياء لاننسى الطبيعة الموجية للضوء والصوت (الذبذبات).
12. يسري قانون التجلّي المتواتر أو الدوري the Law of Cyclic Manifestation أيضاً في المخطط الأوسع للنموذج التطوري. فالحياة تتطور (تتفتح) عبر سلسلة من النماذج الإيقاعية والمتواترة. ثمة إيقاع حياة عظيم بوسعنا أن نتعرّفه بأنفسنا. للذات الخالدة فترات متناوبة من ‘‘الراحة’’ و‘‘النشاط’’ هما ‘‘شهيق’’ و‘‘زفير’’ نبض الحياة. وهذه الذات تسعى للتعبير عن نفسها في الفكر والرغبة والعمل التي تشكل ثلاثتها حلبة الوجود الإنساني.
بيد أن الراحة والتجدد ضروريان أيضاً حتى تستطيع الذات أن تستعرض خبراتها في الحياة وتصوغها إمكانات ومقدرات جديدة. ودورة النشاط والراحة تدعى التقمص عندما يبلغ التطور (التفتح) المملكة الإنسانية. والتقمص هو الفن الذي تكتشف فيه الذات الخالدة تمام إمكاناتها وصفاتها الأزلية. التقمص ببساطة هو التأكيد على عدم قابلية النفس للفناء واليقين بأن الزمان كله مبسوط من أجل تفتح الذات الخالدة. إنه العَوْد للتجسّد reincarnation، أو سكنى اللحم والدم من جديد.
13. “الحجر يصير نبتة، والنبتة تصير حيواناً، والحيوان يصير إنساناً، والإنسان يصير روحاً، والروح يصير إله (عدل).” هذه كلها تحولات أو نمو في وعي ذرة الحياة الخالدة نفسها التي هي اللب من كل كائن، بما في ذلك ‘‘الإنسان’’. من هنا يمكننا أن نتصور الإنسانية صاعدة سلّماً عظيماً يظهر الجزء السفلي منه خارجاً من شفق بداية الأشياء والجزء العلوي غائباً في مجد الألوهة. وفي كل لحظة زمنية يجب أن توجد كائنات على كل درجة من درجات السلّم يتوافق وعيها وهذه الدرجة.
14. لذا ينبغي علينا أن نوطِّن أنفسنا على التفكّر في الكون بوصفه مدرسة شاسعة. فكما أن القصد من المدرسة الحقيقية جعل التلميذ مستقلاً بإزاء ظروفه قادراً على الاعتماد على نفسه، كذلك يجعل قانون الدينامية الروحية الإنسانَ كائناً معتمداً على نفسه، يدرك بملء وعيه أنه لاجدوى من التهرب من المسؤولية، كائناً يسعى جاهداً لفهم العالم الذي يحيا فيه وللعمل المتناغم معه، لأنه بغير ذلك يبقى فهم القانون الطبيعي موصَداً دونه ؛ إنه من هذا القبيل كالطيار يتعلم الطيران بفهم قانون الجذب الثقالي وبمعاكسته بمبادئ طبيعية أخرى. على نحو مشابه، يتجاوز المرء، على الصعيد الخُلقي، حتمية العواقب بفهم قانون كرمى وتحريض الأسباب التي تنتج النتائج المرادة وتحيِّد غير المرادة.
15. نصل الآن إلى طرح مسألة الزمن. في مزج العناصر الكيميائية قد يكون التفاعل عاجلاً أو آجلاً. وهذا لايقل صحة عنه في كيمياء الحياة، ونحن نمزج أفعالاً وخواطر ومشاعر. والنتيجة قد تتبع سببها على الفور أو تؤجَّل. الرَّجْع الذي يرتدّ علينا، وإن لم يكن فورياً بل مؤجَّلاً، لابد أن يُشعَر به عندما يحين أوانه بعد أن يمتزج بقوى مجانسة له تنتظر هي الأخرى أن ترتدّ على مولِّدها. وبعبارة موجزة فإننا نضيف على الدوام إلى دفتر حسابات الوجود، إذا جاز التعبير، ‘‘خيراً’’ و‘‘شراً’’. وإن الطبيعة الحية، الحساسة، لكل الكائنات المحيطة بنا أشبه ما تكون بالـ‘‘صفحات’’ التي تدوَّن عليها هذه الانطباعات.
16. الزمن، طال أم قصر، لايؤثر في قوة أو نوعية الطاقة التي وضعنا في حسابنا. قد يبدو الآن أن ساعة الموت ليست أوان سداد كل هذه الحسابات. فالحسابات الباقية التي لم تسدَّد بعد تؤجَّل إلى العمر المقبل، أو إلى عدة أعمار مقبلة حتى تتم تسويتها. فعلى سبيل المثال، قد يتلقى شخص اليوم بحسب ظرفه (الذي قد يسميه ‘‘طارئاً’’) نتائج العلل الـكَرْمـية المتولِّدة في حياته المنصرمة، أو حتى في حيوات عدة سابقة. وهذا، في أغلب الأحوال، يتم بصحبة الذين عاصرهم في ذلك الزمن الغابر – أسرته وأصدقائه، أو غيرهم ممّن ينبغي عليه أن يسدّد الدين الذي بذمّته لهم.
17. تنتقل العاقلة المتجسدة (ذرة الحياة التي بات بإمكانناأن ندعوها الآن الروح الفردية أو النفس العاقلة) من صورة بشرية إلى صورة بشرية أخرى، مصطحبة كل مرة ذرات حياة أقل خبرة، فتستعملها لصنع شكل، أي جسم : ذلكم هو التقمص. وكما أن نقطة الماء تعود فتندغم في البحر الذي أتت منه، مع الاحتفاظ بهويتها غير منقوصة (نحن، بما نحن وعي، واحدات واعية ذاتها)، كذلك ذرات الحياة المصاحبة لـ‘‘شعاع’’ متطور بعينه تعود فتندمج في الحياة الكلية بدون أن تفقد هويتها، حاملة معها دوماً الحسابات الـكَرْمِية للفرد.
18. القانون سارٍ أبداً، سواء وعيناه أم لم نعِه ؛ وبسريانه تصاغ مصائر الأشياء. إنما وحده كائن ذو ‘‘إرادة حرة’’ (ذهن، أو ‘‘إنسان’’) يقدر أن يطلق أسباباً جديدة، أو يغير أسباباً موجودة تتجلى بوصفها تكاليف الحياة وظروفها. من هنا فإن السريان المتواصل للقانون يتولَّد من إرادة الإنسان الحرة وحدها ويتوقف عليها. الإنسان، في جهله، يقيّد نفسه بأفعال ومشاعر وخواطر أنانية ؛ لذا لن يتأتى له أن يبدأ باستعمال القانون استعمالاً واعياً في سبيل التحرر من ضرورة التقمص الدورية مالم يتعلم أن فوزه بالسعادة والسلام مرهون بالحدّ من دفق الأفعال الأنانية. عليه أن يعلم أن لأدنى فعل، أو لأبسط خاطر أو شعور حتى، عواقب حتمية وأن الموت لايستوفي الدين، مثلما أن الانتقال من مدينة إلى أخرى لايعفي من الديون المتكبَّدة في المدينة الأولى. يولد كل منا ذا طبع خاص وفي بيئة وأسرة تبدو إما ميسِّرة لتقدمه أو معسِّرة له. بيد أن جملة الظروف المحيطة بنا هي في الواقع فرص لنا لأنها النتائج الطبيعية لغابر حياتنا ويجب أن يُنظر إليها كمرقاة إلى درجة أعلى من النمو والوعي. قَدَرُنا لايُفرض علينا فرضاً، بل هو
من صنعنا، ونحن كل يوم نحوك خيوط مصيرنا المقبل.
19. كرمى هو قانون العلة والمعلول، أو قانون السبب والنتيجة the Law of Cause and Effect. تارة لايشاهَد من عمل القانون سوى النتيجة التي تبدو لذلك غير قابلة للتعليل المنطقي (موت الأطفال مثلاً) ؛ وطوراً يمكن لمس السبب، فيما تظهر النتيجة وكأنها غير موجودة. عندما يحتكّ المرء للمرة الأولى بعقيدة التطور بمفهومه الثيوصوفي وبالعقيدتين التوأمين (كرمى والتقمص) اللتين تفسحان المجال لهذا التطور قد يميل للوهلة الأولى للشعور بالنفور من فكرة أنه الآن يعاني من نتائج أسباب ولّدها شخص غيره. لكنه عندما يرى التطور من منظور الحياة الخالدة، أي أنه، بما هو الإنسان الباطن the Inner Man، لايطاله موت ويحيا أعماراً متوالية، يتبين أن لكل الأحداث أسبابها الطبيعية ونتائجها المنطقية (وإن يكن المنطق الكوني ليس منطق أرسطو الخطّي). العلّة، من هذا المنظور الشامل، لاتفترق عن معلولها، وهما لايقبلان التذهّن إلا ككل واحد غير منفصل يمكن أن يدعى ‘‘العلة-المعلول’’.
20. كرمى ليس التقدير المسبق ولا الجبر والقضاء. وتطبيق هذا القانون الطبيعي يستبعد كل إمكانية لما يدعى ‘‘الحظ’’، حسناً كان أم سيئاً. فلكل ‘‘طالع’’ أسباب ولّدها الشخص، واعياً أو غير واعٍ، مؤخراً أو في عمر سابق. ولئن صحّ أن كرمى الشخص المتراكم يسهّل تقدم هذا الشخص أو يعيقه يبقى هذا حراً في الاختيار ضمن الحدود التي رسمها بنفسه ؛ فهو، بجهوده وإقدامه على الاختيار الواعي أو بإحجامه عنه، يعيّن فلك حريته. يقتضي الجبر أو التقدير المسبق تقييد الشخص بالظروف أو بقدرة خارجه، بحيث يتعذر عليه أن يتحرر مهما بذل من جهد. أما إذا كان المرء تحت طائلة قانون غير شخصي فإن مولِّد الأسباب أو القوى وحده يستطيع أن يعدّلها أو يحيّدها. قد يكون مقيَّداً بصفة مؤقتة، لكنه هو الذي قيّد نفسه، وبوسعه، إذا استوعى وضعه الآن، أن ‘‘يعدّله’’ ويحسّنه.
21. لاوجود للمعجزات. كل شيء، من ‘‘الإله’’ الأعلى حتى أضأل ‘‘ذرة’’، واقع تحت حكم القانون. هذا يعني بالضرورة أن ‘‘الله’’ لايستطيع خرق قوانينه ؛ فلو فعل لاقتضى ذلك عودة الكوسموس المنظَّم دفعة واحدة إلى الحالة الشواشية الأولى غير المتعيِّنة Chaos. وإن في عدم قابلية القانون للخرق صيانة للحرية لأن هذا ما يمكِّن الإنسان من تهذيب طبعه الناتج عن سابق حياته والإعداد لطبع أكثر نضجاً في المستقبل. لولم يكن قانون كرمى موجوداً لهام الإنسان على غير هدى في بحر لاساحل له، بلاخريطة ولابوصلة، ولبقي تحت رحمة أية ريح معاكسة، ولظل يولد قُدماً مدفوعاً بقوة مدّ التطور وحدها، بلاوعي ولافهم.
22. ما هو ‘‘الصلاح’’ ؟ هو بكل بساطة القيام بالأعمال المتناغمة مع التناغم العام للكون. الشر الذي فعلنا يجب أن يبطل بفعل الخير ؛ والخير الذي فعلنا يجب أن تعاد تسويته ليصير خيراً أبعد مدى. ولما كانت كل الأرواح إلهية من حيث الماهية فإنها سواسية. هناك نفوس (عليا) فتيّة ونفوس كهلة ونفوس شيخة، لكنها جميعاً واحدة من حيث الأصل. على الرغم من الفوارق – فوارق المنبت والمقدرة والبيئة ؛ فوارق العرق والجنس والمعتقد ؛ فوارق الطيبة والخبث – فإن البشر كافة يؤلفون أسرة واحدة لاتتجزأ. كلنا – رفعاء ووضعاء، جهلة وحكماء – نؤلف سلسلة واحدة غير منقطعة، والأقوى ينمو بمساعدة الأضعف. الأخوّة إذن هي قانون النمو لكل البشر، وهي تمتد لتشمل الكل – حيوانات وطيراً وأسماك وحتى نباتات وجبالاً وبحاراً. إننا ننمو بوحدتنا مع كل شيء. فإذا عاملنا كل الأشياء والناس معاملتنا لـ‘‘أشقاء’’ فعليين لن نؤذي أحداً. كل شيء يبدأ بدون توليد أي كرمى بالمعنى الأخلاقي ؛ ثم، مع تنامي وعي الذات، ينمّي الكائن الذي بات الآن يفكر ويختار بمفرده مسؤوليتَه : باختصار يتعلم – وهذا هو الشوط الذي بلغته أكثريتنا الساحقة كبشر. لذا نوجِد تلك الحسابات التي ندين بها لسوانا ونمر بتلك الظروف التي سوف نتعلم منها.
23. من شأن كل خاطر أو رغبة أو فعل أن يُخِلّ إلى حدّ ما بتوازن الكون. وكل اختلال من هذا القبيل ينحو للعودة إلى التوازن عبر سيرورة إعادة تسوية. إن سريان هذا القانون ينسحب على الصعيد الأخلاقي بمقدار ما ينسحب على الصعيد الجسماني. من هنا فإن ‘‘الطلاح’’ ببساطة هو احتجاب الشعور بالأخوّة، هو الأفعال والخواطر والمشاعر غير المتناغمة، الأنانية، المبرِّحة، الخبيثة التي تراودنا تجاه الآخرين – إذ من شأنها أن تُخِلّ بتوازن العالم وتكون مجلبة للبلاء لنا وللآخرين.
24. الموت ليس مجرد حدث، بل هو سيرورة، إذ تتضامن عوامل كثيرة لإحداث الظاهرة التي ندعوها الموت. إننا كثيراً ما نضيّع معنى السيرورة في انشغالنا بالحدث. لذا لابد لنا أولاً من تصنيف المركبات vehicles التي تكوِّن الكائن الحي الإنساني لأن هذا التصنيف ومقدار نمو كل من المركبات يحدد سيرورة ما يجري بعد الموت.
ثمة إجماع، يكاد يكون تاماً بين المدارس السرّانية على اختلاف مشاربها، على اعتبار الإنسان سبعيّ البنيان من حيث تكوينه، يختصر في سباعيّته الوجود الكلي بأسره، من أدنى مراتبه إلى أعلاها. بيد أن الحكماء، تيسيراً للفهم، تكلموا أيضاً على بنيان ثلاثي التكوين نقع عليه كذلك في العقائد الباطنية الأصيلة كافة، ألاوهو ثلاثية الجسم body والنفس soul والروح spirit. إن النفس هي ما يميّز الإنسان في بعده البشري : النفس بالدرجة الأولى هي ما يجعل الإنسان بشراً – لاجسمه الذي ينتمي إلى العالم الجسماني، ولاروحه التي، بحسب معطيات ‘‘دين الحكمة’’، تشترك والألوهة في ماهيّتها ؛ أو قل إن الروح بالحري هي ‘‘الشعاع’’ الفائض عن الألوهة، هي سرّ الإنسان وعمقه اللانهائي، وما يجعل منه أكثر من بشر.
والنفس، فيما وصلنا من معطيات الحكمة القديمة، نفسان : نفس دنيا أقرب إلى طبيعة المادة، هي مقر الرغبات والدوافع الطبيعية، وتستخدم الجسد لتحقيق هذه الرغبات وتينك الدوافع، وهي ذات طبيعة زائلة لاتتصف بالديمومة والخلود – هذه النفس تسميها الثيوصوفيا أنية الشخصية personal ego، أي ما يجعل الشخص مجرد قناع persona ؛ ونفس عليا أقرب إلى طبيعة الروح، هي مقر الأشواق والدوافع السامية، وهي تتصف بالديمومة والقدرة المباشرة على استقبال ما يرد عليها من الروح – هذه النفس يُصطلح على تسميتها بأنية الفردية individual Ego، أي ما يجعل المرء فرداً أي واحداً غير منقسم. هذه الأنية هي الكائن العائد للتجسد الذي لايطاله تبدل ولايفقد هويته من حيث إنه لصيق بالروح، يستمد خلوده من خلودها : الروح هي الأساس العميق لشعورنا بالأنية. جدير بالذكر هنا أن الجسم النجمي هو مسكن النفس العليا وأنه الذي يحافظ على حياة الجسم بتغذيته بالطاقة الحيوية prâna، وأن النفس الروحانية العاقلة لاتتجسد بكليتها، بل بجزء منها : الذات الحقة the Self ليست بكليتها حاضرة في الدماغ والجسم، بل بـ‘‘شعاعها’’، النفس العليا المتجسّدة.
25. الأساس الأول للتقمص إذن هو وجود أنية الفردية أو الذات الواعية للإنسان قبل الولادة وبقائها بعد الموت : الوجود قبل الولادة يستلزم بالضرورة الوجود بعد الموت. والأساس الثاني هو أن النفس العليا (أو الجسم العِلِّي) شيء متنامٍ، يمتد تفتّحه، من صحوته الأولى إلى اكتسابه النضج، زمناً غير قابل للتصور. الحياة، في ضوء مبدأ العَوْد للتجسد، هي رحلة الحج التي ينهض بها الإنسان للتحقّق بأعلى درجات كمال الشوط البشري من تطوره. هذه النفس لاتدخل هذه الحياة خلقاً جديداً، إنما تفعل ذلك بعد مسيرة طويلة من الأعمار السابقة اكتسبت خلالها كل خصائصها، وهي في طريقها إلى تحوّلات آتية تصوغها الآن في هذه الحياة. الطفل الوليد ليس صفحة ورق بيضاء مباحة لكتابة أي شيء، ولاهو مجرد تلازب قوى ذرية. إنه سِفر حافل بالأسلاف القدماء العائدة إلى ماضٍ سحيق. كل صفاتنا الحالية، الجسمانية منها والنفسانية والذهنية، تضرب بجذورها في غابر حياتنا.
26. مع أن سريان القانون لانهائي التعقيد، بكل التداخلات والتراكيب بين الحيوات الإنسانية التي تكاد تكون لانهائية من حيث العدد والتنوع، فإن عدداً من مبادئ العمل الأساسية يمكن استشفافها واستعمالها. يعمل الإنسان السويّ في ثلاثة عوالم – الجسماني والنفساني والذهني – في المركبات المناسبة لكل من هذه العوالم ؛ وهو إذ يعمل في كل عالم يولّد قوى أو طاقات. هذه الطاقات، بحسب طبيعتها، تتسبب في نتيجة على المستوى المقابل. الأفعال أو التصرفات الجسمانية توجِد البيئة المادية ؛ الرغبات تعيّن الأسرة والروابط الاجتماعية مع الأفراد الآخرين ؛ والخواطر تتسبب في المقدرات أو عدم المقدرات التي تؤلف محصّلتها ما يدعى بالطبع character.
أ. العمل على المستوى الجسماني : إذا عمل شخص ما بحيث يجلب المسرة للآخرين، سيجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، في بيئة مادية ميسورة، ولديه فرصة أكبر لنشر المسرّة من حوله وإعمال إرادته الطيبة. أما إذا كان ممّن تسببوا بأفعالهم أو إهمالهم بالأذى لغيرهم، سيجد نفسه في مآل الأمر في محيط تعس حتى يتعلم بالخبرة حكمة أوفر في العيش.
القانون بحد ذاته غير شخصي، لاجيد ولاسيّء. الخير أو الحق في المنظور التطوري هو كل ما ينسجم مع المزيد من التفتّح الداخلي ؛ بينما الشر أو الباطل هو كل ما يعيق التقدم نحو الكمال. وحتى في حالة الأعمال الطالحة، لايسري القانون لمعاقبة صانع الشر، بل لتعليمه. فإذا استوعب التلميذ الدرس بما يحول دون تكرر الخطأ تمّ قصد الطبيعة منه.
ب. العمل على المستوى العاطفي : القوة المتولّدة على المستوى العاطفي هي قوة الرغبة والشعور. إن السعي وراء الرغبة يؤدي إلى الإجهاد وييسر تفتّحنا بربطنا إلى موضوعات الرغبة. بوسع الراغب أن يحكم على مقدار الحكمة في رغبته باختبار نتائج إشباعها. فعبر اختبار النتائج الكريهة لرغباتها الطائشة تتعلم النفس السموّ بالرغبات الدنيا إلى أشواق عليا، وأخيراً بلوغ التحرر من الرغبة نفسها. وعبر المسرّة الناتجة عن الأشواق الحكيمة تكتسب النفس المزيد من السعة والإشراق حتى تتحصّل لها القدرة على السعادة في شتى الظروف.
الرغبة أيضاً توجِد الفرص، والمرء ما إن يدرك هذا المبدأ حتى يفهم أنه إذا شاء أن يوجِد لنفسه فرصاً مقبلة في أي مسعى من المساعي عليه لاأن ينمّي الشوق الحالي وحسب، بل وأن يحاول أن يضع ذلك الشوق موضع الفعل الآن إلى أبعد ما يمكن.
ج. العمل على المستوى الذهني : القوة الثالثة هي قوة الفكر. الفكر، بادئ ذي بدء، يزيد تفتح الجسم الذهني (العقل الأدنى)، والقوة المتولِّدة بالتفكير تنشّط قدرة أعظم في ملَكة التفكير، مع سلطان أشد على الجسم الذهني كأداة منفِّذة.
إن معظم الخواطر ملازم للعاطفة، وهي من جراء ذلك تضع المفكر في تماس مع أشخاص آخرين في علاقات الحياة اليومية، المرغوبة منها والكريهة. الفكر أيضاً قدرة خلاقة عظيمة، بها يستطيع المرء أن يبني العادة والطبع كليهما. وما العمل إلا التعبير المادي عن الفكر، شأنه شأن نمو النبتة من البذرة من حيث طبيعية الأمر وحتميته.
ذلكم مفتاح الإنسان إلى الكمال. فهو إذ يعرف أنه يصير ما يفكر فيه، يشرع بالتفكير في تلك الفضائل والخصال التي يرغب في التحلّي بها. ورويداً رويداً تبني قوة الفكر تلك الفضائل صروحاً حيّة – شريطة ألاينتظر ثواباً على هذه الفضائل ولاأن يتعلق بثمار ما يفعل. العملية، على صعوبتها الهائلة، لاتقل طبيعية عن تنمية العضل بالتمرين الدؤوب ويمكن القيام بها ‘‘علمياً’’، إذا جاز التعبير. وأخيراً، عندما يبلغ الإنسان بوعيه مرتبة الروح يتحرر من إسار القانون وينعتق من علائقه بهذا العالم (بالسنسكريتية : moksha، الانعتاق).
27. كل إنسان يولِّد على الدوام هذه الأنماط الثلاثة من القوى التي لاتعيّن مسار حياته الحالية (بنجاحها وفشلها) وحالة وعيه بعد الموت وحسب، بل وبيئته وعلاقاته بالآخرين في التجسدات المتوالية. ولما كان إحقاق الحق لايتم دوماً في عمر واحد فإن التقمص الذي يدعى أيضاً العود للتجسد أو التناسخ هو سيرورة النمو باستعمال أجسام عديدة والتعلّم منها ومن خبرات حيواتنا جميعاً ؛ إنه سبيل البشر إلى الانتقال عبر التطور، وهو بذلك وسيلة لبلوغ غاية، وليس غاية بحد ذاته. دورات التقمص، كما سنرى، هي الامتداد الزمني الضروري لسريان قانون السببية the Law of Causality، وهي الفسحات المعطاة للإنسان لكي يجني ثمار ما زرع. إن خبرة كل فرد ليس فيها سريان قانون العدالة الكوني لإعادة التوازن في الكون إلى نصابه وحسب، بل وفيها التنامي المتدرِّج لقدرته ومعرفته ومهارته في العمل وتفتّح طبيعته الإلهية عن ممكناتها. لذا فمن المهم لفهم كرمى التمييز بين العمل والنية intention : الأعمال تفعل في البيئة، بينما النية تفعل في الطبع.
28. المسافة التي يجب أن نقطعها في رحلة الحياة، رحلة التطور العظيمة، هي هي للجميع، لكن لنا أن نختار إيقاع تقدمنا. وخيارنا يقوم على عوامل عديدة : رغباتنا، خواطرنا، أعمالنا، مقدراتنا المتراكمة. إن لنا أن نسافر على ‘‘طرق’’ الحياة الروحية، لنا أن نطلب من غيرنا أن يقلّنا معه، أن نقطع شوطاً ما في وسائل سوانا – إلى أن نتعلم أن تقدمنا المطّرد مرهون بجهودنا نحن. وما يصح على تسهيلات السفر في العالم من حولنا من وجود قواعد ينبغي اتباعها يصح أيضاً على رحلة الحياة نفسها. فعندما نسافر بالطائرة، على سبيل المثال، نتقيَّد أولاً بأمتعتنا، فنضبط رغباتنا فيما قد نتمنى أن نأخذ معنا. كذا على ‘‘طرق’’ التطور الروحي توجد مسالك، حيث ‘‘متاعنا’’ في هذا المضمار هو الـكرمى الذي أوجدناه – تراكم الأفعال ورُجُعها عبر الخواطر والرغبات والأعمال.
29. التقمص إذن هو المجال المفتوح أمام كل منا للسفر بحسب فرادته الخالصة. إنه ليس عدداً موضوعاً من الأعمار بقدر ما هو متوالية من الفرص المتاحة لنا لبلوغ غايتنا الروحية وفن الحياة في تحصيل الخبرة من الممكنات التي تنطوي عليها. ونحن، إذ نبدأ باستيعائه نتعلم عدم مواحدة أنفسنا مع وسيلة السفر ولاحتى مع السفر نفسه، إنما مع الأنية العليا التي اختارت أن تطأ درب الحياة الأرضية.
30. عندما يعترض طريقنا كرمى عصيب يجب أن نجتهد في مواجهته مواجهة بنّاءة وفي تعديله، متذكرين أنه في الواقع مناسبة لبناء خصال جديدة في طبعنا. إن من شأن الشجاعة والحِلم في مواجهة النوائب والمصائب والجهد الدؤوب لاجتثاث كل النوايا السيئة ومشاعر الكره نحو من يبدو أنهم مسؤولون عن تعاستنا – من شأن هذه أن تخفف عن كواهلنا أوزاراً لايستهان بها – الآن وفي المستقبل. إن المثال الأخلاقي الرفيع، على كونه يضع المرء في معسرة وسط معركة الحياة قد تبلغ به حد التضحية بحياته في سبيل المبدأ، يسهم في بناء طبع نبيل في الأعمار الآتية ويصوغه كيما يصير من خُدّام الإنسانية.
31. كل كائن فهو كائن أبدي يتطور مع كل ما عداه. ولكل كائن عين الفرص والحقوق. قد يتفق لنا، مع ذلك، أن نصادف فرصة يتعذر تحيّنها. بيد أن هذه الفرصة ما كانت لتصادفنا لو لم يضعها القانون في دربنا كرغبة من رغباتنا أينعت وحان قطافها. مثل هذه الفرص يجب أن يُتَحيَّن بعزم وشجاعة. إذا استطاع امرؤ أن يقوم بأمر لم يسبق له القيام به بإتقان فلأنه عمل من أجله في الماضي. ينبغي ألانتوانى في الاهتمام لأصغر التفاصيل، مهما بدا تافهاً ؛ فلعلنا بالاهتمام له نضيف إلى قوة الجهود الماضية دفعة صغيرة من شأنها جعل قدرة إيجابية هائلة كامنة فينا تتفتح تفتحاً فعالاً.
قلما يكون الشعور بعمل كرمى محسوساً على الفور. إن مثله كمثل البذرة : البذرة غافية، تتظاهر بالموت، إلى أن يحين أوان إنتاشها ونموها وإيناعها وحصاد المحصول. إننا نزرع في الأرض الخصبة لطبيعتنا الجسمانية والعاطفية والذهنية بذور مستقبلنا، ونحمل على ظهورنا الحصاد الوفير لبذار قديم. فإذا كانت الغلال قليلة في الظاهر وغير مثمرة، يمكن تحسينها بزرع بذار جديدة أجْوَد. وإننا لانعدم أبداً فرصة الزراعة من جديد : نزرع بذور المحبة واللطف والجمال فنحصد غلال التسامح والأمل والنوايا الطيبة. الاستعداد الجيد والمقدرات الرفيعة والطبيعة النبيلة هي غنائم الإنسان من كدح مضنٍ وجهاد مرير ؛ أما عكسها فيشير إلى شوط مبكر من النمو وتفتح ضئيل في البذرة الإلهية.
32. الطبع هو السجل المرئي للماضي والموعد للمستقبل. خصال اليوم ومقدراته هي ثمار الأمس والمرقاة إلى غد أبهى. إنها درجات السلّم الممتد إلى اللانهاية. ونحن نصعد نعيد صوغ الحاضر أقرب إلى صورة المستقبل، وبذلك نعدّل الماضي دون أن نتنكّر له. الأغلاط تصبح حلقات في السلسلة غير المنقطعة للكمال، عندما يبلغ المرء ‘‘قامة الإنسان الكامل’’ ويشاهد أخيراً الزمان كله في الآن الدائم.
33. التقدم الذي نحرزه تقدم دقيق، مبتغاه تحديد ما إذا كانت لدينا القدرة على الاتصاف بصفات ‘‘إلهية’’. إن غاياتنا الأبدية تبقى غايات بالإمكان مالم تنعكس في عالم الزمن، والمركبات المؤقتة التي نستعملها – الذهنية والنفسانية والجسمانية – تجمع الخبرات التي تجعلنا نستوعي الصفات الإلهية التي ننطوي عليها. هل بوسعنا أن نكون كريمين، حليمين، رحيمين ؟ هل بمقدورنا أن نفكر ونخطط من أجل الآخرين مقدِّمين أمورهم وحاجاتهم على أمورنا وحاجاتنا ؟ هل نستطيع أن نتعلم كيف نكون عادلين ومنصفين وحقيقيين وحسب – على غرار الطبيعة وقوانينها ؟ لئن حظينا بنعمة (أو نقمة !) وعي الذات، وكنا قادرين على التخطيط لمستقبلنا واختياره نوعاً ما، ينبغي علينا أيضاً أن نتعلم كيف نتواصل مع الآخرين ومع الطبيعة والكون تواصلاً صحيحاً بدون أن نقحم أنفسنا بما يُخِلّ بالتناغم القائم بيننا جميعاً. لهذا السبب حَظيَ مثال الأخوّة العالمية بمكان الصدارة بين غايات الحركة الثيوصوفية المعاصرة. إنه يعني، فيما يعني، أن الكون كلٌّ واحد لايتجزّأ. فليس قبل أن نكف أذانا تماماً عن الآخرين وعن الطبيعة يمكن أن يتاح لنا فعلاً إدراك أسرار سِفر الطبيعة العظيم المنقوشة في صدورنا ونستطيع التعامل مع القدرات الباطنة للطبيعة وقواها غير المنظورة التي سوف تقودنا إلى الغاية القصوى للتطور على المرتبة الأرضية – غاية أن نبلغ رويداً رويداً درجة ‘‘الأستاذية’’ (= النطاسة Adeptship) في مدرسة التطور، فنصبح مدرّسين متواضعين، نبقى على هذه الأرض التي شهدت ولادتنا الروحية لمساعدة الذين هم أقل تقدماً منا (مع بقائنا تلاميذ لأساتذة أعلى منا مرتبة على سلّم التطور).
34. هناك ثلاثة تعليلات لتفاوت الحظوظ بين الناس، سواء في الملكات أو الفرص أو الظروف : أ. خلق خاص من الله يفترض كون الإنسان عاجزاً، ومصيره تتحكم فيه إرادة اعتباطية غير قابلة للحدس ؛ ب. الوراثة كما يقترحها العلم – الأمرالذي ينطوي على عجز لايقل عن العجز الأول من طرف الإنسان، بما أنه حصيلة ماضٍ لاقبل له بتغييره ؛ ج. التقمص الذي يعني، كما رأينا، أن الوضع الحالي للإنسان هو محصلة جهده هو بحيث أنه يكون كما يصنع بنفسه.
في التعليل الأول يُسلَّم بصحة التطور في كل شيء ماعدا حياة الفهم الروحي. ليس للإنسان ماضٍ فردي، مع أن له مستقبلاً لاينتهي. الطبع الذي يأتي به – والذي تتوقف عليه حياته على الأرض أكثر من أي شيء آخر -، بحسب هذه الفرضية، خلقه الله خصيصاً من أجله وفرضه عليه بدون أي اختيار من جانبه.
الإنسان، بحسب التعليل الثاني، عبد الصيغة الوراثية التي تحدرت إليه من والديه ؛ وهذا التعليل يعدم كل تفسير للعبقرية أو حياة القداسة اللتين تتفتحان في أماكن وأوقات غير متوقَّعة بما لايتصل بالتوريث المباشر للجينات.
أما البديل الثالث، التقمص، فيعيد إلى الألوهة عدلها وإلى الإنسان إرادته الحرة. كل روح إنسانية تدخل الحياة بذرة، مجردة من كل معرفة أو وعي أو تمييز. وبالخبرة يجمع المرء اللبنات ويبني بها ملكاته الذهنية والأخلاقية. بذا فإن الطبع الذي يولد به من صنعه هو ويشير إلى الشوط الذي بلغه من تطوره الطويل، حيث تتأثر الوراثة والبيئة بالأسباب الماضية.
لذلك يبدي الرضّع وصغار الأطفال، منذ ولادتهم، صفاتهم الفردية ومواهبهم وطباعهم التي تختلف عن صفات غيرهم ومواهبه وطباعه. ومع أنه قد يكون لهذه صلة حاذقة بالوراثة ينبغي على المرء أن يدرك أن لنَسَب الأسلاف الجسماني صلة بالجسم الجُرمي فقط، وليس بالذهن أو المواهب أو الهوية الحقة للروح العائدة التي اتّخذت الآن جسماً جديداً مصنوعاً من مواده القديمة، ذرات الحياة التي سبق لها أن وسمتها بطبيعتها في أعمار سابقة والتي تنتظر الآن عودة هذه الروح بهذا القصد.
35. كثيراً ما يطرح المتشكك السؤال التالي : “إذا لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أجيء فيها إلى الدنيا فلم لاأتذكر حياتي السابقة ؟” بيد أن القليل من إمعان النظر يسمح بالإجابة على السؤال. لايغيبنّ عن بالنا أولاً أننا ننسى من حياتنا الحالية أكثر مما نتذكر. بعض الناس لايتذكر كيف تعلّم القراءة ؛ لكن قدرته على القراءة برهان على أنه تعلّمها فعلاً. حوادث الطفولة والشباب تتلاشى من ذاكرتنا الواعية، لكن أثرها على طبعنا أعمق من أن ننكره. لربما نسي المرء أنه سقط في صغره لكنه قد يمسي من جراء سقطته مُقعَداً ما تبقى من عمره. هذه هي الحال مع أنه يستعمل الجسم عينه الذي اختبر فيه الأحداث المنسيّة.
إذا صحّ هذا على الخبرات المتحصَّل عليها في الجسم الحالي، فكم بالحري هو صحيح على الخبرات المتحصَّل عليها في أجسام سابقة فارقتها الحياة وتحللت قبل قرون طويلة ؟ جسمنا ودماغنا الحالي لم يكن لهما نصيب من تلك الوقائع ؛ فكيف تعبر الذاكرة من خلالهما عن محتوياتها ؟ إن جسمنا الدائم الذي يرافقنا إبان دورات التقمص هو جسمنا الروحاني مقعد أنية الفردية. الأكسية أو المركبات الدنيا تنفكّ عنه وتعود إلى عناصرها قبل أن يؤوب ليتقمص أجساماً جديدة. المواد الذهنية والعاطفية والجُرمِية الجديدة التي يتقمصها من جديد من أجل حياة جديدة على الأرض لاتتلقى من العاقلة الروحية خبرات الماضي بل الخصال والمنازع والمقدرات التي صنعتها تينك الخبرات. إن وعينا، واستجاباتنا ‘‘الغريزية’’ للنداءات العاطفية والعقلية، واعترافنا بإحكام حجة منطقية ما، وإقرارنا بصحة المبادئ الأساسية للحق والباطل، هي النقوش التي خلفتها الخبرات الماضية في فرديتنا. إن رجلاً ذا قدرة عقلية متدنية، على سبيل المثال، ليس بوسعه أن ‘‘يرى’’ صحة برهان منطقي أو رياضي، وإن رجلاً ذا نمو أخلاقي متدنٍّ لايستطيع أن ‘‘يشعر’’ بالقوة القاهرة للمثال الأخلاقي الرفيع.
36. عندما يتيسّر للمرء استيعاب علم ما وتطبيقه، وعندما يسهل عليه إتقان فن ما بدون دراسة مديدة، فإن الذاكرة من وراء ذلك بالقوة، مع أن وقائع التعلُّم تكون قد نُسيَت : المعرفة تذكُّر، كما قال أفلاطون. عندما نشعر بحميمية أمام غريب نلقاه للمرة الأولى، فهذا، على الغالب، تذكّر الروح لصديق من عهد قديم ؛ وعندما ننفر بشدة من غريب آخر فقد يكون ذلك تعرّف الروح إلى عدو لدود.
هذه الألفة، وذاك الحذر، مصدرهما عاقلتنا الروحية الخالدة التي هي هويتنا. إننا نتذكر، لكن بما أن ذهننا وجسمنا ودماغنا ليست جديدة لانقدر أن نسترجع التفاصيل : النفس العليا (أو الجسم العِلّي) تزود الذهن بنتائج الماضي، وليس بذكريات أحداثه. فكما أن التاجر، إذ يطوي دفتر حسابات قديم ويفتح دفتراً جديداً، لايُدخل في الثاني كل محتويات الأول، إنما رصيده فقط، كذلك الروح تسلِّم للدماغ الجديد أحكامها على خبرات حياة طُوِيت، والخلاصة التي توصلت إليها، والقرارات التي اتخذتها. ذلكم هو المخزون الذي يُعهد به إلى الحياة الجديدة، المتاع الذهني لمسكنها الجديد – ذاكرة حقّة.
37. من الممكن استرجاع ذاكرة الأعمار الماضية. بيد أن اكتساب هذه الملَكة مسألة تتطلب جهداً دؤوباً وتأملاً مديداً يستهدف ضبط الذهن المضطرب، الفارّ أبداً إلى الخارج، وإحلال السكينة فيه، بحيث يصفو للروح ويتلقى رسائلها. إن سِفر الماضي المطوي فينا لايُفتح مالم نتعلم الإصغاء إلى الصوت الهامس في أعماقنا ؛ ذلك أن التذكر شأن الروح وحدها. وحدها الروح تسلط أشعة ذاكرتها لتضيء ظلمة الطبيعة الدنيا الزائلة المشدودة إليها مؤقتاً.
38. عندما يحين أوان عودها للتجسد تشرع الذات الخالدة، أو الأنية العليا في رحلة العودة. إنها في تعطشها للخبرات التي ستجعل منها كائناً كاملاً، أي مرآة واعية للشعاع الإلهي، ترمي بالنفس (العليا أو الفردية) في تيار الوجود. وبعد أن تجمع من حولها ‘‘مادة’’ ذهنية ورغائبية ونجمية مناسبة لمرحلة تطورها الجديدة تسوّي وفقاً لقوانين الوراثة جسماً جُرمِياً يلبي حاجاتها الحالية والـكرمى الذي ينبغي أن تستهلكه. وتتحرك النفس عبر خبرات العمر متعلِّمة الدروس واحداً بعد الآخر : الولادة، الطفولة، الشباب، الرشد، الكهولة، الشيخوخة والموت هي دورة النمو التامة في العمر الواحد. ويأتي الموت تخلياً عن الأداة الجسمانية وراحة لاستيعاب الخبرات لتحويلها إلى مقدرات جديدة وحكمة أنضج هما الزاد لتجسد مقبل.
39. مع أن الولادة والموت سرّان توأمان، يبدو أن انشغال الإنسان برحلته مغادراً الحياة قد كسف اهتمامه برحلته قادماً إليها. على أن القبول بالتطور وقانون كرمى والتقمص تعليلاً لمسائل من الحياة تبقى بدونها بغير تعليل يقتضي أن دخول النفس جسماً جديداً لايقلّ درامية بالتأكيد عن مغادرتها جسماً بالياً. فبعد فترة راحة من النشاط في العالم الجسماني مطوَّلة تعود النفس كرّة أخرى، مدفوعة بباعث داخلي للسعي إلى خبرات جديدة تمضي بها قدماً في رحلة عودتها إلى أصلها الإلهي.
الفترة الطويلة بين عمرين أشبه ما تكون بالساعات الفاصلة بين وجبتين، حيث فترة الهضم والتمثُّل لاتقل أهمية عن الوجبة نفسها. وإبان الزمن بين عمرين تستخلص النفس (العليا) من خبراتها في حياة مضت زبدتها، ثم تعود بهذه الزبدة في تقمص جديد. وكما أن قطرة العطر تملأ الجو عبقاً كذلك الزبدة المستخلصة من خبرات الماضي تشكل الخصائص الأساسية للطفل العائد للتجسد.
40. تشتمل الولادة على سرّ مزدوج : هناك، أولاً، سر نمو المضغة (التي تصبح جنيناً) منذ الاتحاد الجسماني بين الوالدين وتلقيح البويضة، مروراً باسترجاعها الإجمالي لكافة أشواط التطور الجسماني للعصور الماضية، وصولاً إلى المخلوق المعقّد البديع التكوين الذي يؤول، بعد مضي تسعة أقمار، إلى اقتحام طريقه خارج ظلمة رحم الأم إلى حرية الوجود الجسماني المستقل. وهناك، ثانياً، اتحاد النفس بالبدن الذي يُعتقد أنه حصل قبل الولادة الجسمانية الفعلية، لأن العقيدة تنص أن النفس تجذب الذرات الضرورية لهذا التجسد المعقد عملاً بقوانين لاتقل قوة عن القوانين التي تجمع العناصر الكيميائية في مركّبات مذهلة التعقيد.
الخصائص الجسمانية والعاطفية والذهنية لطبيعة الفرد حصيلة خبرات ماضية. الخواطر الماضية تصوغ الطبع الحالي ؛ الرغبات الماضية تصوغ الفرص الحالية ؛ والأعمال الماضية تصوغ البيئة المادية الحالية. كلا السرّين يشتمل على نموذج ما من التذكّر ليس بوسع الذهن البشري إدراكه بعد.
41. الأمومة والأبوّة، في ضوء ما تقدم، أكثر من مجرد مسؤولية الاعتناء بجسم الطفل ؛ إذ تبيت في هذا الجسم نفس مسافرة، صاغها ماضيها، وينتظرها مستقبل قُدِّر على الوالدين أن يؤثرا فيه مدة معينة. مستقبل هذه النفس “مستقبل أمر لاحد لنمائه وبهائه”، كما جاء على لسان المعلِّم في حكاية السدرة البيضاء.
42. كثيراً ما يتردد مصطلح ‘‘ملاك حارس’’ على أفواه أناس يذهلهم أن يروا طفلاً يخرج سالماً معافى من حادثة خطرة. تقول الثيوصوفيا بوجود عاقلات روحية رفيعة تشرف على تدبير العلل السارية من جراء خواطر ورغبات وأعمال نفس بشرية، وترعى الطفل بخاصة في هذه السنوات التكوينية الغضة. إن هؤلاء الحراس الروحيين هم الذين يأتون بالنفس إلى الولادة، حيث تستطيع أن تحصد ما زرعت كأحسن ما يكون الحصاد وتحقق الطبيعة الجوهرية – ثمرة أعمار عديدة – التي تتصف بها كأحسن ما يكون التحقيق. ولعل هذا الطفل يولد في أسرة مؤلفة من رفاق الماضي، ربما للوفاء بالتزامات ماضية، أو لتلقّي العناية من يد المؤهبين أصلاً للحدب عليه وتقديم العناية الضرورية له طوعاً. غير أن ثمة حالات لاتكون فيها علاقات الماضي بهذه السعادة، مما يقتضي تحويل الروابط المقيِّدة إلى صلات محبة وتفهم.
43. لاريب أن ساعة الولادة لاتقل درامية للطفل عنها للأم ! بعض الأطفال يبدون أكثر شوقاً لاقتحام الحياة من سواهم. من هنا تنص التعاليم الثيوصوفية على ضرورة حماية الوليد من الأصوات الصاخبة والإنارة القوية. ومع أن الكثير قد كُتب بخصوص الانتقال من الجسم يفترض في الإنسان أن يعرف أكثر قليلاً عن حاجات الوليد المتّخِذ من البدن مسكنه.
44. يعلّم علماء النفس الحديثون حقائق نصّت عليها الأدبيات الثيوصوفية منذ زمن طويل، إذ هم يشدّدون الآن على حاجة الطفل، منذ ولادته، للمحبة وحس الأمان. من هنا حاجة الوالدين إلى دراسة عقلية-حدسية لهذه المسائل بحيث يستوعيان بعمق أكبر المسؤولية التي أخذا على عاتقهما حين قبلا طوعاً أن يصيرا قناة حية لحلول نفس في جسم. إنهما يتطوعان لبذل جهود أعظم لحمل هذه المسؤولية، مدركَيْن أن الجسم العاجز قد ‘‘يحوي’’ نفساً أينعت حكمة، وأن عليهما أن يوجِدا لها جواً من الحرية للمزيد من النمو، وللتفتّح الجسماني والعاطفي والذهني المطلوب. وإنهما لسوف يريان شرفاً وواجباً في هذه الفرصة لتعزيز نمو النفس بتنمية مواهب الطفل وخصاله الحميدة الكامنة وبمساعدته على ضبط مواطن ضعفه. بيد أن المسؤولية تعظم كلما كان موقف الوالدين أكثر سماحة وكلما أدركا أن الطفل يتجاوب مع ما هما أكثر مما يتجاوب مع ما يقولان.
الولادة خبرة لايتذكرها الطفل تذكّراً واعياً. ومع ذلك فإن الجو الذي يولد فيه قد يكون أنفَس إرث يستطيع والداه أن يمنحاه إياه. قد تُنسى بوابة الولادة بسرعة لكن حسّ الأمان والمحيط المتناغم والاستيقان من الصفح المُحِبّ والتفهم عندما تُظهِر الحياة أوقات التأديب الضروري ليس من السهل نسيانها. حاجة النفس ليست إلى مجرد بدن، بل إلى فرصة كاملة لبلوغ الاستقلالية والنضج. فكما أن الحبل السُرِّي يُقطع عند الولادة الجسمانية، كذلك ينبغي قطع حبل غير مرئي عندما تكون النفس مستعدة لتحقيق كموناتها بكامل حريتها.
يتخذ المولود مسكناً مؤقتاً له وينتقل من رحم الأم إلى رعاية الوالدين اللذين تحمّلا هذه المسؤولية عبر قوة الحب العظيمة الفاعلة فيهما. إنهما الوالدان الحكيمان اللذان يتخيران أحسن السبل الممكنة لمساعدة الطفل على ضبط طبيعته الانفعالية وتنمية ذهنه عبر طرق التفكير الصائب وجعل جسمه مسكناً لائقاً بالساكن الذي هو ذاته الحقة الخالدة. مثل هذين الوالدين يورّثان للنفس الحكمة التي هي ميراثها الروحي والتي ستورّثها بدورها لسواها عندما تبلغ رشدها.
45. إن تيارين من الحياة يجريان عبر المسار الإنساني : أولهما جريان النفس (العليا) الخالدة عبر أجسام متعاقبة، الواحد منها متأثراً بالذي سبقه ؛ وثانيهما جريان الحياة من جيل إلى جيل، ناقلة الطبائع الجسمانية والعاطفية والذهنية التي تتطور كمركبات للنفوس في رحلتها العظمى. بوابة الولادة يدخلها الجميع ؛ الرحلة كونية ومتكررة لكنها غير مكرورة ؛ الغاية هي ‘‘بيت الأب’’ الذي غادرنا منذ زمن طويل ونحنّ الآن للعودة إليه.
46. بوجود مفهوم المتَّصل المادي في الذهن يمكننا العبور إلى فهم استمرارية الوجود كوعي فيما يتعدى لحظة مغادرة البدن. الموت ليس مختلفاً جداً عن النوم. عندما نغفو أو نُخدَّر ينسحب الوعي مؤقتاً من الجسم لكننا نواصل حياتنا العاطفية والذهنية التي كثيراً ما نتذكرها عند استيقاظنا. في حالة الحلم نغوص في أعماق ونبلغ أعالي تشير إلى عوالم وعي تتعدى العالم الذي نختبر في ساعات صحونا. بيد أن الثيوصوفيا تقول إن الجسم في الموت يغادَر نهائياً ويبدأ الوعي رحلة في عوالم أسمى حتى من العوالم التي تزار إبان النوم.
47. الموت، بحسب التعاليم الثيوصوفية، سيرورة processيقع فيها الانفصال بين المركبات المكوِّنة للإنسان. إننا ‘‘نموت’’ قبل أن يقع الموت البدني الظاهر بأمد طويل، بمعنى أن الانفصال بين هذه المكوِّنات يجري ببطء متدرِّج ولايتم إلا ساعة الموت عندما تتبيّن الذات العليا التي ليست متجسدة في البدن أن ‘‘شعاعها’’ المقيم فيه لم يعد بوسعه أن يدخر أية خبرة أو معرفة من خلال هذا البدن ؛ عندئذٍ تبدأ الذات بضم النفس العليا إليها، وبذلك تعرف هذه أن أوان خلع الجسم قد حلّ.
48. يحدث للمرء بعد موت الجسم كما يحدث لنا عندما ننام كل ليلة. في النوم، أولاً، فترة أحلام، تليها فترة طويلة نسبياً من النوم العميق ؛ وقبيل الاستيقاظ من جديد هنالك فترة أخرى من الأحلام. إن ما يحصل في أعماق الوعي ساعة الموت ينعكس في دماغ المحتضر. عندما تضم الذات النفس العليا إليها تقضي هذه بضع ساعات مسترجِعة (أو حالمة) مشاهد الحياة المنصرمة لتوها. يستغرق هذا الأمر المهيب حوالى 12 ساعة، وينبغي في أثنائها عدم إزعاج الجثمان لأن هذه السيرورة تستمر حتى بعد أن يقرر الطبيب أن الموت قد حصل، مادامت في الدماغ حرارة. وبينما النفس تسترجع الأحداث والمشاعر والخواطر المرتبطة بالحياة المنصرمة تفرزها فرزاً آلياً إلى ‘‘صالحة’’ أو أخلاقية و‘‘طالحة’’ أو غير أخلاقية.
50. عندما تنتهي النفس من استعراض حياتها بكل تفاصيلها تنبذ عنها الجسم الجُرْمي ومعه ذلك الجزء من الجسم النجمي الذي كان حصة البدن إبان الحياة وتقيم مع الذات العليا فيما تبقّى من الجسم النجمي، أي الرغبات والخواطر والذكريات والأشواق، صالحها وطالحها. عندئذٍ تباشَر فعلياً عملية ‘‘فرز الزؤان من القمح’’ وحرقه. تدعى عملية التطهُّر هذه الموت الثاني ويتم فيها طرح كل المادة النجمية الموسومة بالرذائل. فكما أن المرء يتوجّع إذا أكل طعاماً مسموماً ولايجد الراحة إلا بطرح العنصر السام كذلك النفس تطرح ‘‘سموم’’ الهوى والكِبَر والغضب والأنانية والشهوة والطمع. هكذا يُسمح للجزء الطالح من نفسنا النجمية أن يموت : فكما يتفكك الجسم الجُرْميّ عندما نموت وتتبعثر ذراته وجزيئاته في العناصر، كذلك هذا الجزء سرعان ما يتفكك فتحمله العناصر النجمية غير المرئية التي تحيط بنا طوال الوقت وتمضي به. وهذه الذكريات لا‘‘تضيع’’ لأنها موسومة بسمتنا التي تفيد لدى استدعائها لتشكيل جسمنا عندما نُقبِل على التقمص من جديد. هناك نحمل رصيد حسابنا غير المسدَّد مع الطبيعة ومع غيرنا من الكائنات.
51. إن تواحُد النفس إبان الحياة الأرضية مع رغبات العالم الجسماني (التي تبقى وقد تشتدّ إلى حين) يتوقف على نضجها التطوري. لكن طرحها هو الذي يمكِّن النفس من إتمام الشوط القادم من رحلتها. فبعد فترة التطهّر اللازمة في العالم الرغائبي (كامى لوكى kâma loka)، أي بعد أن تخلع النفسُ البدنَ وحصته من الجسم النجمي، وتطرح الرغبات والخواطر والمنازع الشريرة وحصتها من الجسم النجمي، تبقى بصحبة الذات العليا ومعها المشاعر النبيلة والخواطر النقية والمنازع الخيّرة وذلك الجزء من الجسم النجمي الذي هو قناتها للتعبير. كساؤها آنئذٍ يكون مشعاً ونقياً يعبر عن أشواقها الروحية. تدخل النفس عندئذٍ العالم الذهني، ومقامها الجديد هذا يدعى في الأدبيات الثيوصوفية ديفاخان Devachan – ‘‘أرض الآلهة’’ – لأن النفس وقد تحررت من حدود الحسّ وتجردت من الرغبات والأهواء الممضّة واكتست ببهاء خواطرها ومشاعرها النقية تصير أشبه بالآلهة. هناك تستغرق النفس استغراقاً عميقاً استحقّته لتتفكّر وتعتبر بالـ‘‘خير’’ الذي فعلته إبان الحياة التي عاشتها لتوّها. إن مستوى الوعي الذي بلغته النفس على الأرض وطبيعة الحياة التي عاشتها هما اللذان يحددان مستوى الـديفاخان الذي تستطيع النفس فيه أن تباشر استخلاص زبدة خبراتها ؛ فالعناصر الأغلظ لطبيعتها الشخصية لايمكنها دخول العالم السماوي. جليّ من كل ما تقدّم أننا نُعِدّ لهذه الخبرة السماوية من الآن و‘‘فردوسنا’’ بالتالي من صنعنا نحن : تلكم هي قدرة الفكر. هناك نلتقي في السكينة والفرح أحبابنا الذين هم جزء من حياتنا.
52. بعد الشوط الأول من التأمل في الأشكال والصور التي صنعها المرء بخواطره ورغباته يأتي الشوط التالي من التأمل المجرّد من الصور حيث يبدأ الاستغراق في الأفكار المجردة الذي يتسنّم ذروته في الاستغراق الخالص في الذات العليا، ‘‘الملكوت في الداخل’’، على حد التعبير الإنجيلي. هناك تعاين النفس الذات ‘‘وجهاً لوجه’’ وتشاهد الأعمار الماضية التي مرت بها. هذا التأمل الرفيع لايدوم عند العاديين من الناس إلا ‘‘هنيهات’’. وفي ذلك الاستغراق تتنبأ النفس في رؤيا بما هي قادرة على القيام به في تجسدها المقبل على الأرض، وهي في تملّيها هذه الرؤيا المستقبلية تثوب إلى نفسها وتتجدد أشواقها إلى تحقيق تطلعات جديدة، فتستعد للعود إلى الأرض في جسم جديد لتواصل مهمّاتها التطورية.
53. ما ‘‘الأشباح’’ ghosts إلا ‘‘الأصداف’’ shells الفارغة أو الأجسام النجمية الحية، لكن غير المرئية، للذين ماتوا بعد أن عاشوا حياة أنانية. ففي أثناء ‘‘النوم’’ الذي يلي موت الجسم الجرمي، إبان عملية استعراض الحياة الأخيرة المعيشة، إذا رجحت كفة ‘‘الطلاح’’ فإن الصورة النجمية تظل بعض الوقت في العالم النجمي الذي يشكل أساس العالم الجسماني ويتخلّله. هذه الصورة مصنوعة من القوة والطاقة، وقوامها، والحالة هذه، تلك القوى الأنانية والمؤذية للآخرين. لهذه الصور تماسك نسبي لبعض الوقت – أسابيع، أشهر، بضع سنوات ؛ وهي تظهر لماماً لبعض الحسّاسين، فتكون مؤذية أو غير مؤذية تبعاً لطبيعة الشخص الحساس. وتجتذب جلسات محضِّري ‘‘الأرواح’’ وهواة التخاطب مع ‘‘الراحلين الأعزاء’’ هذه ‘‘الأصداف’’ القادرة على قراءة ما يدور في أذهان ومشاعر حضور الجلسة وعلى ‘‘تبليغ’’ ما استطاعت تلقّفه وجمعه من ذاكرات الجالسين بطريقة أو بأخرى. أما الروح الحقة للراحل فقد سبق أن دخلت حالة التفكّر العميق وهناك ليس بوسع أيٍّ كان أن يقلق راحتها أو ‘‘يحضّرها’’ من حيث إنها تكون منشغلة بأمور روحية محضة وبتقدّمها وهي تستوعب في خبرتها وطباعها الخير الذي فعلت والمواهب التي اكتسبت ونمّت في الحياة الأخيرة المعيشة.
54. في السنوات الأخيرة جمع باحثون طبيون شهادات مئات الأشخاص ممن اختبروا حالات ‘‘موت سريري’’ ونشروها. من أشهر هؤلاء الدكتور رايمند مودي والدكتورة إليزابث كوبلر-روس. إن خبرات هؤلاء الناس الذين أُنعِشوا بعد اختفاء العلامات الحيوية وعاشوا ورَوَوا ما حصل لهم عندما كانوا ‘‘أمواتاً’’ تنطبق على ما جاء في أدبيات الثيوصوفيا. الخبرة الأولى لغالبية هؤلاء هي عبور ‘‘نفق’’ مظلم قبل أن يعيد الوعي تصويب نظره فيستوعوا أنفسهم في جسم لطيف يشاهدون منه مشاهدة معزولة بدنهم على طاولة العمليات والفريق الطبي يقوم بإنعاشه أو في حطام السيارة وفريق الإنقاذ يسعفه.كما وجد العديد منهم نفسه في عالم من النور والحرية قابلوا فيه ‘‘كائناً نورانياً’’ هو تجسيد للمحبة الكاملة والتفهّم التام. وكثيراً ما اختبروا استرجاعاً أو استعراضاً حياً لدرجة مذهلة لحياتهم وجاءهم الأمر بالعودة لإتمام ما لم يُتِمّوا في هذا التجسد. ولقد تردد العديد منهم في ذلك وشهدوا جميعاً أن الخبرة قلبت حياتهم رأساً على عقب، فزال خوفهم من الموت وفهموا أن مهمتهم محبة الآخرين ومواصلة التعلّم حتى نهاية الحياة.
55. توصي تعاليم الحكمة القديمة بضرورة مساعدة المحتضر بتيسير انتقال النفس المغادِرة للجسم في جو هادئ مطَمْئِن. فليتصور المرء شعوره وهو ينسلّ من جسم حطّمه المرض ليجد نفسه طليقاً – على حيرته في البداية – لايعي أن عالم الوعي الذي دخله لتوّه ليس العالم الجسماني الذي تعوّد عليه طويلاً. فكما جاء في كتاب الموتى التيبتي يزداد هذا التكيّف صعوبة كلما أطال الذين ‘‘أحبوا’’ الشخص الميت غمّهم وحدادهم.
56. إن استيعاء حقيقة التقمص ينبغي أن يكون إلهاماً لنا، لأننا بتنا نعلم من خلاله أن الإنسان العظيم بإنسانيته يفصح في شخصه ومنجزاته عما ننطوي عليه من ممكنات وعما نستطيع أن نصيره بالجهد المخلص المثابر. وقود المستقبل، وفقاً لقانون العلة والمعلول، هو الزخم المتراكم للماضي. والذات الروحية أو الأنية العليا، في انتقالها عبر شخصيات أرضية، تدخر زاداً من الطبع الفردي يبقى خيطاً دائماً يضم كل الأعمار المنفصلة. هناك شعور لايوصف بالرضى العميق يرافق استيعاء أن الحياة الحالية ما هي إلا واحدة في سلسلة هائلة من الدورات تنتهي بالغاية المجيدة.
إن العبرة الكبرى من التقمص هي أننا ننطوي على قدرات لانهائية، وفرص أبدية، وغاية إلهية. الثيوصوفيا تعلِّمنا أننا شرارات من لهب واحد، صَدَرنا عن المنبع الأصلي للوجود، ولابد أن ‘‘نعود’’ إليه يوماً، أو بالحري أن نعي بأننا لم نغادره أصلاً ! “ملكوت السماوات في داخلكم” – قالها عيسى بن مريم. لكننا لسنا على وعي بطبيعتنا الإلهية. بيد أننا، إذ ننظر إلى الحياة من منظور فرص النمو الروحي، من مطَّلع الأنية الخالدة، نمتلئ بالعزم على الشروع في السير على طريق الروح. مامن غاية أسمى من هذه، لكننا لابد بالغونها يوماً بالجهد الدؤوب – مع أن حيوات عديدة ضرورية للظفر بها. ليس في الحياة من فشل ذريع سوى نقص الشجاعة للمحاولة من جديد. الفرص تعود وتعود، حياة بعد حياة، لكننا نحن الذين نفضّل التلكّؤ.
رسوخ مبدأ التقمص في الوعي اعتراف بالعقل والوجدان بـوحدة الإنسانية بصرف النظر عن العرق أو الجنس أو المعتقد أو المنزلة الاجتماعية. ذلك أن النفس ينبغي لها أن تمر في رحلتها التطورية بالعروق البشرية جميعاً، وتتقمص على التوالي أجساماً مذكرة وأخرى مؤنثة، وتختبر كافة المعتقدات والأفكار والمعارف، وتعيش في بيئات متنوعة من حيث الضيق والبحبوحة. بذلك تنحلّ عقدة ‘‘الشعب المختار’’ أو ‘‘خير أمة’’، وتتساوى الشعوب والأمم جميعاً في الأسرة الإنسانية الواحدة لأن لكل منها دوره الفريد في إغناء التجربة الإنسانية الشاملة وتفتّح الوعي عن ممكناته والارتقاء بالإنسان من ناسوته (شخصيته) إلى لاهوته (فرديته)، من الإله في الإنسان إلى الإنسان في الله.
التقمص هو إيقاع الوجود نفسه. كل لحظة تموت كيما تولد لحظة جديدة. الحياة في وعي قانون الإيقاع الدوري الكوني هي الحرية من الخوف والشك، والاستيقان أن في جعبة المستقبل ممكنات لانهائية إذا حققنا المتاح من ممكنات الحاضر كما ينبغي لنا أن نفعل. التقمص تأكيد على أن للحياة معنى وقصداً، وأن لكل شيء، مهما بدا تافهاً، مغزى وقيمة دائمين.
التقمص هو العاتق العظيم، المحرِّر من سجن الشخصية المؤقتة، والمطلِق في رحاب تحقيق غاياتنا الأبدية.
الحياة هي مغامرة التطور، هي الرواية ذات النهاية المفتوحة على ممكنات لاحصر لها. وما الولادات والميتات إلا شاخصات على الطريق.
كل آنة زمن فهي موت وولادة جديدة، إلى أن يحين الموت الأخير وانعتاق الروح وانطلاقها إلى بارئها.
كل آنة زمن فهي باب مفتوح على الأبدية…

Advertisements

One thought on “مَقالةٌ في التَقَمُّص

  1. ما يحدث اليوم من علامات ما قبل الساعه هى عندما ياتى المتقمصون من وادى وصوب ويجمعوا فيه وهم ارواح اما استطاعت ان تستفيد من التقمص فى تطوير ارواحها للاحسن او ارواح كان التقمص ذياده لها فى اتباع هواها حياة بعد حياه ولا تزال لا تتعلم من التجربه ولا تتوب الى باريها كالسامرى الذى امهل لهذا اليوم فبعلامات ما قبل القيامة يقضّى الله على الارواح التى لم تهتدى وتشرق الشمس من مغربها ولا تقبل التوبه بعدها فمن لم يمت فى القيامة الصغرى ثم رجع عن هداه الذى اكتسبه فلا توبه بعدها وتاتى القيامة الكبرى اللهم بلغنا التوبه يارب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s